الشنقيطي

197

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ليست لازمة للنبوة ترك كل منها مقابل الآخر ، ويبدأ الدليل بما هو الواقع المسلم على أن اللّه تعالى هو الخالق ، والخالق للإنسان من علقة ، فكان فيه إقامة الدليل من ذاتية المستدل ، فالدليل هو خلق الإنسان ، والمستدل به هو الإنسان نفسه ، كما في قوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] ، فيستدل لنفسه من نفسه على قدرة خالقه سبحانه . وإذا تم بهذا الاستدلال على قدرة الرب الخالق ، كان بعده إقامة الدليل على صحة النبوة ورسالة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فجاءت المسألة السادسة وهي إعادة القراءة في قوله : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، إذ أقام الدليل على أنك مرسل من اللّه تبلّغ عنه وتقرأ باسمه ، فاعلم أن تلك القراءة وهذا الوحي من ربك الأكرم ، والأكرم قالوا : هو الذي يعطي بدون مقابل ، ولا انتظار مقابل ، والواقع أن مجيء الوصف هنا بالأكرم بدلا من أي صفة أخرى ، لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق ، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة . فأولا : رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم . وكفى . وثانيا : نعمة الخلق والإيجاد ، فهما نعمتان متكاملتان : الإيجاد من العدم بالخلق ، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم ، ولا يكون هذا كله إلّا من الرب الأكرم سبحانه . ثم تأتي المسألة الثامنة : وهي من الدلالة على النبوة والرسالة ، وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، سواء كان الوقف على : اقرأ ، وابتداء الكلام : وربك الأكرم الذي علم بالقلم . أو الوقف على الأكرم وابتداء الكلام . الذي علم بالقلم ، لأن من يعلم الجاهل بالقلم ، يعلّم غيره بدون القلم بجامع التعليم بعد الجهل . فالقادر على هذا قادر على ذلك . والتاسعة : بيان لهذا الإجمال حيث لم يبين ما الذي علمه بالقلم . فقال : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ، وهذا مشاهد ملموس في أشخاصهم وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] . فاللّه الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، وكل ما تعلمه الإنسان فهو من اللّه تعلمونهن مما علمكم اللّه ، وهل الرسالة والنبوة إلا تعليم الرسول ما لم يكن يعلم ؟